الخلل الدستوري وأثره على الأحكام الجنائية: قراءة في حدود الشرعية بعد تعديل جداول المخدرات

قراءة تحليلية معمقة في آثار حكم المحكمة الدستورية العليا بشأن جداول المواد المخدرة، وانعكاساته على القضايا الجنائية المنظورة والأحكام الصادرة، مع تفكيك دقيق للفارق بين انعدام التجريم وخلل تقدير العقوبة، وبيان حدود تدخل النيابة العامة وسبل الطعن وموقع التماس إعادة النظر بين حجية الأحكام ومتطلبات الشرعية الجنائية.

الشرعية الجنائية بعد حكم الدستورية: بين تصحيح المسار واكتمال العدالة
بقلم المستشار أشرف مشرف – المحامي بالنقض
إذا كان حكم المحكمة الدستورية العليا قد أعاد رسم الحد الفاصل بين التنظيم والتجريم، فإنه في الوقت ذاته كشف عن إشكاليات عملية لم تكن كامنة في النصوص بقدر ما كانت كامنة في التطبيق الذي نشأ عبر السنوات السابقة على صدوره. فقد أدى انتقال سلطة إصدار جداول المواد المخدرة من وزير الصحة إلى رئيس هيئة الدواء المصرية إلى نشوء واقع تنظيمي استقر عمليًا، إلى أن جاء الحكم الدستوري كاشفًا عن فراغ تشريعي في هذه الجزئية تحديدًا، إذ تبين أن الأثر الجنائي المترتب على تعديل الجداول لا يجوز أن يستند إلا إلى الجهة التي عينها المشرّع صراحة.
ولم يكن هذا الاكتشاف الدستوري مجرد تصحيح شكلي لجهة الاختصاص، بل إعادة تعريف للعلاقة بين مصدر التجريم وحدود المسؤولية الجنائية ذاتها.
وكان الحكم ذاته قد قدّم، في منطقه، علاجًا مرحليًا لهذا الفراغ حين قرر أن الجداول الصادرة عن وزير الصحة تظل هي السارية قانونًا، باعتبارها الامتداد المشروع للإرادة التشريعية. غير أن الواقع العملي كان أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يقتصر تدخل هيئة الدواء على إدارة الجداول القائمة، بل امتد إلى إدراج مواد مخدرة جديدة وإعادة ترتيب بعض المواد بين الجداول بما ترتب عليه تشديد العقوبات المقررة لعدد من الجرائم. ومن ثم، فإن العودة إلى ما قبل هذه القرارات — رغم ضرورتها الدستورية — لم تكن مجرد تصحيح نظري، بل أفرزت إشكاليات حقيقية تتعلق بمصير آلاف القضايا التي نشأت في ظل هذا التنظيم.
ولعل إصدار وزير الصحة، في اليوم التالي لصدور الحكم الدستوري، جداول جديدة تضمنت ذات المواد التي كانت واردة بقرارات هيئة الدواء، قد مثّل حلًا عمليًا لملء فراغ التجريم بالنسبة للوقائع اللاحقة على الحكم، إذ أعاد تأسيس الحظر على سندٍ دستوري صحيح، إلا أن الإشكال الحقيقي ظل قائمًا بالنسبة للجرائم التي وقعت في الفترة الممتدة منذ تدخل هيئة الدواء وحتى صدور الحكم الدستوري، وهي المنطقة الزمنية التي لم يعد ممكنًا تجاهل آثارها الجنائية بعد انكشاف الأساس القانوني الذي قامت عليه.
عند هذه اللحظة انتقل الإشكال من نطاق النظرية الدستورية إلى ساحة التطبيق الجنائي المباشر.
ومن هنا جاء تدخل النائب العام بكتابه الدوري رقم 1 لسنة 2026، لا بوصفه مجرد تعليمات إدارية لتنظيم العمل داخل النيابة العامة، بل باعتباره محاولة لإكمال العلاج الذي بدأه الحكم الدستوري، عبر ترجمة مضمونه النظري إلى سياسة إجرائية تعالج أوضاع القضايا القائمة وفق طبيعة كل حالة. وبذلك بدا الخطاب وكأنه الامتداد العملي للتحليل الذي فرضه الحكم الدستوري نفسه، إذ انتقل النقاش من سؤال المشروعية المجردة إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تُعاد الشرعية إلى الواقع دون أن ينهار استقرار العدالة الجنائية؟
وقد انطلق القرار من تمييز جوهري بين حالتين مختلفتين في طبيعتهما القانونية. ففي الحالة الأولى، حيث كانت صفة المادة المخدرة قد نشأت ابتداءً بقرارات هيئة الدواء، فإن المسألة لا تتعلق بتخفيف عقوبة أو تعديل وصف، بل بانعدام الركن المفترض للجريمة ذاتها. ومن ثم جاء التوجيه حاسمًا بإصدار أوامر بألا وجه لإقامة الدعوى في القضايا التي لم يُتصرف فيها بعد، وطلب البراءة في القضايا المنظورة أمام المحاكم أيًّا كانت مرحلتها، مع وقف تنفيذ العقوبات والإفراج عن المحكوم عليهم في الأحكام الصادرة بالإدانة، باتة كانت أو غير باتة، مع بقاء حق الطعن قائمًا وفق القواعد المقررة.
ويكشف هذا الاتجاه عن إدراك عميق بأن الشرعية الجنائية لا تحتمل الحلول الوسط؛ فإذا كان التجريم قد تأسس على سندٍ فقد مشروعيته الدستورية، فإن استمرار الإدانة لا يكون مجرد خطأ إجرائي، بل مساسًا مباشرًا بشرعية العقاب ذاتها. ومع ذلك، فإن وقف التنفيذ أو الإفراج لا يمثلان اكتمال العدالة، لأن الفرق يظل قائمًا بين من أُوقف تنفيذ عقوبته وبين من زالت عنه الإدانة أصلًا، وهو فارق لا يتحقق إلا عبر طرق الطعن أو عبر الطريق الاستثنائي الذي يظل حاضرًا كلما أغلقت الحجية أبوابها، وهو التماس إعادة النظر.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية التي لا تتعلق بوجود الحكم، بل بطبيعة الأثر الذي تركه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، لأن ما تكشفه هذه الحالة لا يقتصر على انعدام التجريم فحسب، بل يكشف أيضًا عن طبيعة الخلل الذي قد يصيب العدالة حين يتبدل الأساس القانوني الذي قامت عليه الدعوى. فإذا كانت الحالة الأولى تمس وجود الجريمة ذاته، فإن ما يليها ينتقل بنا إلى منطقة أكثر خفاءً، حيث تبقى الجريمة قائمة في ظاهرها، بينما يعتري بنيان العقاب خلل دقيق لا يظهر في النصوص المجردة بقدر ما يظهر في أثرها على تقدير القاضي للعقوبة. وهنا لا يعود السؤال: هل وُجد التجريم؟ بل يصبح: هل وُلد الحكم داخل الإطار القانوني الصحيح الذي يسمح للعقوبة أن تعكس عدالة التقدير لا مجرد صحة الحساب.
أما الحالة الثانية، وهي الأكثر تعقيدًا، فتتعلق بالمواد التي كانت مدرجة أصلًا في الجداول، ثم أعيد ترتيبها أو نقلها بما أدى إلى تشديد العقوبة. وهنا لم يعد الأمر متعلقًا بوجود الجريمة، بل بمدى صحة الوصف القانوني وحدود العقاب. ولهذا وجّه النائب العام أعضاء النيابة إلى إسباغ القيود وفق الجداول الصحيحة الصادرة عن وزير الصحة في القضايا التي لم يُتصرف فيها، وإلى طلب تعديل مواد القيد أمام المحاكم في القضايا المنظورة، بما يعيد التكييف القانوني إلى إطاره الدستوري السليم.
غير أن الإشكال الأعمق ظهر في القضايا التي صدرت فيها أحكام غير باتة بالإدانة، حيث قرر الكتاب الدوري استمرار تنفيذ العقوبات المقضي بها إذا كانت داخلة في نطاق العقوبة المقررة وفق الجداول الصحيحة، مع بقاء حق الطعن قائمًا. وهنا يثور السؤال الذي لا تجيب عنه الحسابات المجردة: هل يكفي أن تكون العقوبة داخل الحد القانوني الصحيح حتى نعدّها عادلة؟
ذلك أن تقدير العقوبة عملية قضائية مركبة لا تنفصل عن الإطار القانوني الذي نشأت داخله.
فالعقوبة ليست رقمًا مجردًا، بل ثمرة تقدير قضائي يتشكل داخل المجال الذي يرسمه الحدان الأدنى والأقصى للعقاب. وحين يكون هذا المجال قد اتسع نتيجة تشديد غير دستوري، فإن التقدير القضائي ذاته يتأثر — ولو ضمنًا — بهذا الاتساع. ومن ثم، فإن القول بأن العقوبة لا تجاوز السقف الصحيح لا ينفي احتمال أنها كانت لتكون أقل لو صدر الحكم في ظل السقف القانوني الصحيح منذ البداية. وهنا تظهر أهمية الطعن على الأحكام غير الباتة لإعادة تقدير العقوبة داخل بيئتها القانونية السليمة، لا داخل ظلٍ تشريعي زال لاحقًا.
وتزداد المسألة دقة في الأحكام الباتة التي قرر الكتاب الدوري استمرار تنفيذها متى كانت العقوبة داخلة في النطاق القانوني الصحيح، مع الإبقاء على حق المحكوم عليهم في منازعة التنفيذ. فهذه الصياغة — وإن بدت حاسمة — تكشف في حقيقتها عن اعتراف ضمني بإمكانية مراجعة أثر الحكم، ذلك أن التنفيذ قد يستمر بينما يظل الأساس الذي تشكّل عليه التقدير محل مراجعة حين يكون التنفيذ قائمًا على تشديد فقد سنده الدستوري.
غير أن منازعة التنفيذ — رغم أهميتها — تظل أداة لمعالجة الأثر التنفيذي أكثر من كونها طريقًا لإزالة الحكم ذاته، وهو ما يعيد التماس إعادة النظر إلى الواجهة بوصفه الوسيلة التي قد تعيد فتح النقاش حول الحكم حين يصبح أثر الخلل الدستوري ممتدًا إلى تقدير العقوبة ذاتها.
وعند هذه النقطة يتجاوز النقاش حدود التطبيق الإجرائي ليصبح نقاشًا حول فلسفة الحجية ذاتها.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أن التماس إعادة النظر لا يظهر هنا كطريق طعن استثنائي بالمعنى التقليدي، بل كآلية دفاعية تستعيد بها الشرعية قدرتها على تصحيح ذاتها بعد أن استقر الحكم واكتسب حجية تمنع مراجعته بالطرق العادية. فالحجية إنما وُجدت لحماية الاستقرار، لا لحماية الخطأ إذا انكشف أساسه الدستوري لاحقًا. ومن ثم، فإن اللجوء إلى الالتماس في مثل هذه الحالات لا يمثل خروجًا على استقرار الأحكام، بل تعبيرًا عن فكرة أعمق مؤداها أن العدالة الجنائية لا تكتفي بصحة الإجراءات، وإنما تتطلب أن يظل الحكم — حتى بعد صيرورته باتًا — متصلًا بسند شرعي صحيح لم ينقطع عنه بأثر حكم كاشف للدستور.
وعند هذه النقطة يتضح أن قرار النائب العام، رغم ضرورته في حماية الاستقرار الإجرائي، لم يكن نهاية المسار الذي بدأه الحكم الدستوري، بل خطوة في طريق أطول لإعادة التوازن بين حجية الأحكام ومتطلبات الشرعية الجنائية. فالعدالة لا تكتمل بمجرد بقاء العقوبة داخل حدودها الحسابية، وإنما تكتمل حين يطمئن الضمير القانوني إلى أن الحكم قد وُلد داخل الإطار الدستوري الصحيح منذ لحظة صدوره.
ولعل القيمة الأعمق لهذا المسار لا تكمن في معالجة قضايا بعينها، وإنما في إعادة تذكير العدالة الجنائية بحدودها الطبيعية؛ فالقاضي لا يحكم في فراغ، وإنما داخل بناء تشريعي يحدد أفق تقديره، فإذا تبدل هذا البناء بعد الحكم، لم يعد السؤال مقصورًا على صحة النص، بل امتد إلى عدالة الأثر الذي خلّفه. وهنا يصبح دور الدفاع والقضاء معًا ليس مجرد تطبيق القواعد، بل إعادة وصل الحكم بمصدر شرعيته كلما انكشف أن الطريق الذي سار فيه لم يكن الطريق الذي رسمه الدستور ابتداءً.
وهكذا لا يكون حكم الدستورية مجرد إبطال لنص أو تصحيح لإجراء، بل لحظة يراجع فيها القانون علاقته بالحرية ذاتها، إذ يتذكر أن العقاب لا يكتسب مشروعيته من ضرورته وحدها، وإنما من الطريق الذي وصل به إليها، فالقانون لا يصحح نفسه بإلغاء النصوص فحسب، بل بإعادة النظر في الآثار التي تركتها حين كانت تبدو صحيحة. لأن الشرعية الجنائية ليست قيدًا على العدالة، بل شرط وجودها الأول.
نص المقال المنشور لي في جريدة كلمة العرب
https://kalemtalarab.com/2026/02/24/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A/?fbclid=IwY2xjawQL6TJleHRuA2FlbQIxMABicmlkETIycVNxcjdhbHN5QmRESnc2c3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHjwUezL7vR-lfGjvdPBqTQU9QfSuetxutp_mbxf3dCvcKxcBaQsXuVnMWoEz_aem_u8bTbVTu3l_f-k6ieeFhIw

اشرف مشرف المحامي/ 00201118850506 / 00201004624392 /00201224321055 / ashrf_mshrf@hotmail.com /مصر  / www.ashrfmshrf.com / ولله الأمر من قبل ومن بعد

التدخل الدولي واستخدام القوة: قراءة قانونية في اختلاف المسارات

يقدم هذا المقال تحليلًا قانونيًا مقارنًا لاختلاف أدوات التدخل الدولي في نماذج العراق وليبيا وتشيلي وفنزويلا، موضحًا كيف يتغير مسار استخدام القوة في القانون الدولي تبعًا لاختلاف الأهداف السياسية، وكيف يُعاد توظيف مفاهيم السيادة والحصانة والشرعية وفق منطق المصلحة لا وحدة القواعد.

من العراق إلى فنزويلا: لماذا تختلف أدوات التدخل؟
قراءة قانونية سياسية في منطق القوة واختلاف الأهداف

بقلم
أشرف مشرف
محامٍ بالنقض وباحث في القانون الدولي

بعيدًا عن الجدل حول صحة الأخبار المتداولة بشأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يفرض الواقع السياسي سؤالًا لا يمكن تجاهله: لماذا تختلف أدوات التدخل من دولة إلى أخرى؟ ولماذا يُستهدف الرئيس أحيانًا، بينما تُستهدف الدولة بكاملها أحيانًا أخرى، رغم تشابه الخطاب القانوني المعلن؟

وانطلاقًا من هذا السؤال، يتضح أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بصحة الخبر من عدمها، بقدر ما يتعلق بطبيعة السيناريو ذاته. فكيف يبدو هذا المسار، إن صح في جوهره، ممكنًا مع مادورو، بينما لم يكن مطروحًا أصلًا مع صدام حسين أو معمر القذافي؟ ولماذا، في المقابل، لم تُعامل فنزويلا بالطريقة ذاتها التي عومل بها العراق أو ليبيا، رغم ما يبدو من تشابه ظاهري بين الحالات الثلاث؟

للإجابة عن ذلك، لا بد من الانتقال من مستوى الخبر إلى مستوى التحليل، ومن ظاهر الوقائع إلى منطق الغاية والأداة، ثم إلى القراءة القانونية المصاحبة لكل حالة. فالقانون الدولي، في هذا السياق، لا يظهر بوصفه نصًا ثابتًا أو قاعدة جامدة، بل بوصفه أداة تُستدعى أو تُؤوَّل أو يُلتف عليها بحسب الهدف السياسي المراد تحقيقه.

فمن حيث المبدأ، يضع القانون الدولي العام خطوطًا حمراء واضحة، إذ يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، ويُجرّم العدوان، كما يقرّ الحصانة السياسية لرؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم. غير أن التجربة العملية، وعلى مدار العقود الأخيرة، أثبتت أن هذه القواعد لا تُطبَّق بوصفها نصوصًا جامدة، بل كإطار وظيفي قابل للتكييف، تُعاد قراءته وفق السياق والغاية، وهو ما يفسر، في نهاية المطاف، لماذا تختلف الأدوات من حالة إلى أخرى رغم وحدة القاعدة النظرية.

وفي هذا الإطار، يمكن إدراك أن ما جرى في العراق لم يكن يستهدف صدام حسين كشخص، مهما جرى تقديمه إعلاميًا باعتباره «جوهر المشكلة». فالخطاب القانوني الذي سبق الغزو تحدث عن أسلحة دمار شامل، وتهديد للسلم والأمن الدوليين، وتنفيذ قرارات أممية سابقة، وهي مبررات، بغض النظر عن زيفها لاحقًا، وفّرت غطاءً قانونيًا يسمح باستخدام القوة الشاملة ضد الدولة ذاتها، لا ضد الرئيس فقط.

ثم جاءت القرارات التي اتُخذت بعد الاحتلال، وعلى رأسها حلّ الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة، لتؤكد أن الهدف لم يكن تغيير رأس النظام، بل تفكيك الدولة نفسها وإعادة تركيبها. وفي هذا السياق تحديدًا، لم يكن اختطاف صدام أو اغتياله حلًا مناسبًا، لأن القبض على الرئيس لا يبرر احتلال البلاد، ولا يبرر حلّ الجيش، ولا يبرر إعادة هندسة النظام السياسي من الخارج. ولذلك، كان لا بد أن تسقط الدولة أولًا، ثم يُقبض على صدام لاحقًا بوصفه رئيسًا مخلوعًا لا يتمتع بحصانة. وهنا لم يُخرق القانون الدولي فجأة، بل جرت إعادة تأويله لخدمة مشروع أوسع.

وبصورة قريبة من ذلك، وإن اختلفت التفاصيل، جاء المشهد الليبي. فقد بدا التدخل في ليبيا أكثر التزامًا شكليًا بالقانون الدولي، إذ لم يمنح قرار مجلس الأمن تفويضًا صريحًا بإسقاط النظام، بل اقتصر على حماية المدنيين وفرض حظر جوي. غير أن التطبيق العملي وسّع هذا التفويض تدريجيًا حتى انتهى إلى تدمير بنية الدولة، وإسقاط النظام، وترك البلاد في فراغ سيادي ممتد. ولم يكن القذافي مستهدفًا قانونيًا كشخص منذ البداية، ولم يُقبض عليه، بل قُتل لاحقًا في سياق انهيار الدولة، وهو ما يعيدنا إلى القاعدة نفسها: لو أُزيح القذافي مبكرًا وبقيت الدولة، لما تحققت النتيجة التي آلت إليها ليبيا، فالقانون الدولي لم يُلغَ، وإنما جرى تمديده حتى فقد حدوده.

وعلى النقيض من ذلك، تقدم تشيلي نموذجًا مختلفًا تمامًا. فهناك لم يكن ثمة غزو، ولا قرارات أممية، ولا قوات أجنبية تتدخل علنًا، بل كان هناك انقلاب داخلي أطاح بالرئيس سلفادور أليندي، بدعم خارجي غير مباشر. ومن زاوية القانون الدولي، لم تُمس سيادة الدولة رسميًا، ولم تُستخدم قوة عسكرية أجنبية علنية، وجرى تقديم ما حدث باعتباره شأنًا داخليًا. وهنا يتجلى الفارق الجوهري: حين يكون الهدف هو الرئيس فقط، يُفضَّل الالتفاف على القانون من الداخل، لا كسره من الخارج.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم لماذا يبدو استهداف مادورو، إن صحّ الاتجاه الحالي، مختلفًا جذريًا عن العراق وليبيا. فلا حديث هنا عن غزو شامل، ولا عن إسقاط الدولة، ولا عن حلّ الجيش، بل يجري التركيز على تجريم شخص الرئيس، وتصويره كفاعل جنائي دولي، والسعي إلى نزع حصانته السياسية. وهنا يحدث التحول القانوني الأخطر، إذ يُعاد توصيف الفعل من كونه عدوانًا على دولة إلى كونه إجراءً قسريًا ضد فرد، وهو توصيف يجعل الانتهاك، رغم خطورته، أقل كلفة قانونيًا وسياسيًا من تدمير دولة كاملة.

أما سبب عدم استخدام هذا المسار مع صدام أو القذافي، فيعود إلى أن الهدف في العراق وليبيا لم يكن الشخص، بل النظام والدولة معًا. أما في فنزويلا، فإن تدمير الدولة غير مرغوب سياسيًا، وغير قابل للإدارة، وغير قابل للتسويق القانوني في السياق الإقليمي. فضلًا عن ذلك، تحولت التجربة العراقية ذاتها إلى درس سلبي في الذاكرة الاستراتيجية، بعدما أثبت تفكيك الدولة أنه يولّد فراغًا أخطر من النظام الذي أُسقط.

وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الرابط الجوهري الذي يجمع بين العراق وليبيا وفنزويلا، وهو البترول، لا باعتباره موردًا اقتصاديًا فحسب، بل عنصرًا سياديًا يحدد شكل التدخل وحدوده. ففي العراق، كانت الدولة تسيطر على أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم خارج المنظومة الغربية، ومن ثم فإن إسقاط صدام دون تفكيك الدولة كان سيُبقي السيطرة السيادية على النفط، وهو ما لم يكن متوافقًا مع الهدف الاستراتيجي، لذلك جرى استهداف الدولة ذاتها. وفي ليبيا، كان النفط مرتبطًا بسيادة دولة مركزية مستقلة القرار، فانتهى كسر الدولة إلى تفكيك الإطار السيادي الذي يدير هذا المورد وتحويله إلى عنصر صراع داخلي وتدويل دائم. أما في فنزويلا، فإن تدمير الدولة النفطية بالكامل سيؤدي إلى فوضى طويلة الأمد في سوق الطاقة، وإلى فقدان السيطرة على المورد بدل إعادة توجيهه، ومن ثم تميل المقاربة إلى استهداف القيادة مع الحفاظ على الدولة بوصفها الإطار القادر على إدارة الثروة لاحقًا.

ويُضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، يتمثل في موقع فنزويلا بوصفها جزءًا مما يُعرف تاريخيًا بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة. ففي هذا النطاق الجغرافي، لا يُعد تدمير الدولة ميزة استراتيجية، بل عبئًا ثقيلًا، إذ إن انهيار دولة بحجم فنزويلا يعني فوضى قريبة من الحدود الأمريكية، وموجات نزوح مباشرة، وفتح المجال لتدخل قوى دولية منافسة داخل المجال الحيوي الأمريكي نفسه. وعلى العكس من ذلك، جاء تدمير العراق وليبيا في سياق دولي وإقليمي حمل مكاسب إضافية للولايات المتحدة، سواء في إطار ما سُمّي بالربيع العربي، أو في سياق إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، وإضعاف دول مركزية عربية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على تعزيز ميزان القوى لمصلحة إسرائيل.

ومن ثم، يتضح أن القانون الدولي لا يُنتهك بالطريقة نفسها في كل مرة، بل يُعاد توظيفه وفق الغاية المرجوة. ففي العراق جرى تعليق القانون باسم إعادة التشكيل، وفي ليبيا جرى تمديد التفويض حتى الانهيار، وفي تشيلي جرى الالتفاف من الداخل، أما في فنزويلا، إن صح الاتجاه الحالي، فيجري تفريغ الحصانة بدل تدمير الدولة.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ما يحدث قانونيًا أو غير قانوني، بل لماذا اختير هذا المسار القانوني تحديدًا دون غيره. والإجابة، في جميع الحالات، واحدة: طريقة إسقاط الرئيس تكشف الهدف الحقيقي من التدخل أكثر مما تكشفه الشعارات المعلنة.

نص المقال المنشور لي في جريدة كلمة العرب بتاريخ  ٤/١/٢٠٢٦

اشرف مشرف المحامي/ 00201118850506 / 00201004624392 /00201224321055 / ashrf_mshrf@hotmail.com /مصر  / www.ashrfmshrf.com / ولله الأمر من قبل ومن بعد